الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

196

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إن المتسلطين المتعنتين يستغلون نقاط الضعف النفسية لدى الغوغاء من الناس لتحريكهم - عادة - لمعرفتهم بالنفسيات ومهارتهم في عملهم ! وكذلك فعلوا في هذه الحادثة ، وأطلقوا شعارات تثير حفيظتهم ، فقالوا : إن آلهتكم ومقدساتكم مهددة بالخطر ، وقد سحقت سنة آبائكم وأجدادكم ، فأين غيرتكم وحميتكم ؟ ! لماذا أنتم ضعفاء أذلاء ؟ لماذا لا تنصرون آلهتكم ؟ احرقوا إبراهيم وانصروا آلهتكم - إذا كنتم لا تقدرون على أي عمل - ما دام فيكم عرق ينبض ، ولكم قوة وقدرة . انظروا إلى كل الناس يدافعون عن مقدساتهم ، فما بالكم وقد أحدق الخطر بكل مقدساتكم ؟ ! والخلاصة ، فقد قالوا الكثير من أمثال هذه لخزعبلات وأثاروا الناس ضد إبراهيم بحيث أنهم لم يكتفوا بعدة حزم من الحطب تكفي لإحراق عدة أشخاص ، بل أتوا بآلاف الحزم وألقوها حتى صارت جبلا من الحطب ثم أشعلوه فاتقدت منه نار مهولة كأنها البحر المتلاطم والدخان يتصاعد إلى عنان السماء لينتقموا من إبراهيم أولا ، وليحفظوا مهابة أصنامهم المزعومة التي حطمتها خطته وأسقطت أبهتها ! ! لقد كتب المؤرخون هنا مطالب كثيرة ، لا يبدو أي منها بعيدا ، ومن جملتها قولهم : إن الناس سعوا أربعين يوما لجمع الحطب ، فجمعوا منه الكثير من كل مكان ، وقد وصل الأمر إلى أن النساء اللاتي كان عملهن الحياكة في البيوت ، خرجن وأضفن تلا من الحطب إلى ذلك الحطب ، ووصى المرضى المشرفون على الموت بمبلغ من أموالهم لشراء الحطب ، وكان المحتاجون ينذرون بأنهم يضيفون مقدارا من الحطب إذا قضيت حوائجهم ، ولذلك عندما أشعلوا النار في الحطب من كل جانب اشتعلت نار عظيمة بحيث لا تستطيع الطيور أن تمر فوقها . من البديهي أن نارا بهذه العظمة لا يمكن الإقتراب منها ، فكيف يريدون أن يلقوا إبراهيم فيها ، ومن هنا اضطروا إلى الاستعانة بالمنجنيق ، فوضعوا إبراهيم